نوع متن  متن        
( فَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ) يَذْکُرُ فِيهَا ابْتِداءَ خَلْقِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ خَلْقِ آدَمَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقائِلُونَ، وَ لا يُحْصِى ‏نَعْماءَهُ‏ الْعادُّونَ، وَ لا يُؤَدِّى حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ، ‏الَّذِى‏ لا يُدْرِکُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَ لا يَنالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، الَّذِى لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَ لا نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَ لا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَ لا أَجَلٌ مَمْدُودٌ ‏فَطَرَ ‏الْخَلائِقَ‏ بِقُدْرَتِهِ، وَ نَشَرَ الرِّياحَ بِرَحْمَتِهِ، وَ ‏وَتَّدَ بِالصُّخُورِ ‏مَيَدانَ‏ ‏أَرْضِهِ‏.
أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَ کَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَ کَمالُ التَّصْدَيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَ کَمالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلاصُ لَهُ، وَ کَمالُ الْإِخْلاصِ لَهُ نَفْىُ الصِّفاتِ عَنْهُ، ‏لِشَهادَةِ کُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَ شَهادَةِ کُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، فَقَدْ قَرَنَهُ، وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنّاهُ، وَ مَنْ ثَنّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ. وَ مَنْ أَشارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَ مَنْ قالَ فِيمَ؟ فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَ مَنْ قالَ عَلامَ؟ فَقَدْ أَخْلى مِنْهُ.
کائِنٌ ‏لا ‏عَنْ‏ ‏حَدَثٍ‏، مَوْجُودٌ لا عَنْ عَدَمٍ، مَعَ کُلِّ شَىْ‏ءٍ ‏لا ‏بِمُقارَنَةٍ، وَ غَيْرُ کُلِّ شَىْ‏ءٍ لا ‏بِمُزايَلَةٍ، فاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَکاتِ وَ الآلَةِ، بَصِيرٌ إِذْ لا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إِذْ لا سَکَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ، وَ لا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ.
اَنْشَاءَ الْخَلْقَ إِنْشاءً، وَ ‏ابْتَدَأَهُ‏ ابْتِداءً، بِلا ‏رَوِيَّةٍ ‏أَجالَها، وَ لا تَجْرِبَةٍ اسْتَفادَها، وَ لا حَرَکَةٍ أَحْدَثَها، وَ لا ‏‏هَمامَةِ‏ ‏نَفْسٍ‏ اضْطَرَبَ فِيها، ‏أَحالَ‏ الْأَشْياءَ لِأَوْقاتِها، وَ ‏لَأَمَ‏ بَيْنَ مُخْتَلِفاتِها، وَ ‏غَرَّزَ ‏غَرائِزَها، وَ أَلْزَمَها ‏أَشْباحَها، عالِماً بِها قَبْلَ ابْتِدائِها، مُحِيطاً بِحُدُودِها وَ انتِهائِها، عارِفاً ‏بِقَرائِنِها ‏وَ ‏‏أَحْنائِها‏.
ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحانَهُ فَتْقَ الاَجْواءِ، وَ شَقَّ الْأَرْجاءِ، وَ ‏سَکائِکَ‏ الْهَواءِ، ‏فَأَجْرى فِيها ماءً مُتَلاطِماً ‏تَيّارُهُ‏، مُتَراکِماً ‏زَخَّارُهُ‏، حَمَلَهُ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ الْعاصِفَةِ، وَ ‏‏الزَّعْزَعِ‏‏ الْقاصِفَةِ، فَأَمَرَها بِرَدِّهِ، وَ سَلَّطَها عَلى شَدِّهِ، وَ قَرَنَها إِلى حَدِّهِ، الْهَواءُ مِنْ تَحْتِها ‏فَتِيقٌ‏، وَ الْماءُ مِنْ فَوْقِها ‏دَفِيقٌ‏، ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحانَهُ رِيحاً ‏اعْتَقَمَ‏ ‏مَهَبَّها، وَ أَدامَ ‏مُرَبَّها، وَ أَعْصَفَ مَجْراها، وَ أَبْعَدَ مَنْشاها، فَأَمَرَها ‏بِتَصْفِيقِ‏ ‏الْماءِ الزَّخَّارِ، وَ إِثارَةِ مَوْجِ الْبِحارِ. ‏‏فَمَخَضَتْهُ‏‏ ‏مَخْضَ‏ ‏السِّقاءِ، وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَها بِالْفَضاءِ، تَرُدُّ أَوَّلَهُ ‏عَلى آخِرِهِ، وَ ‏ساجِيَهُ‏ ‏عَلى ‏مائِرِهِ‏، حَتّى عَبَّ عُبابُهُ، وَ رَمى بِالزَّبَدِ ‏رُکامُهُ‏، فَرَفَعَهُ فِى هَواءٍ مُنفَتِقٍ، وَ جَوٍّ ‏مُنْفَهِقٍ‏، فَسَوّى مِنْهُ سَبْعَ سَمواتٍ، جَعَلَ سُفْلاهُنَّ مَوْجاً ‏مَکْفُوفاً، وَ عُلْياهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَ سَمْکاً مَرْفُوعاً، بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُها، وَ ‏لا ‏‏دِسارٍ‏ ‏يَنْتَظِمُها، ثُمَّ زَيَّنَها بِزِينَةٍ الْکَواکِبِ، وَ ضِياءِ ‏الثَّواقِبِ‏، وَ أَجْرى فِيها سِراجاً ‏مُسْتَطِيراً، وَ قَمَراً مُنِيراً، فِى فَلَکٍ دائِرٍ، وَ سَقْفٍ ‏سائِرٍ، وَ ‏رَقِيمٍ‏ ‏مّائِرٍ.
ثُمَّ فَتَقَ ما بَيْنَ السَّمواتِ الْعُلى، فَمَلَأَهُنَّ أَطْواراً مِنْ مَلآئِکَتِهِ، مِنْهُمْ سُجُودٌ لّا يَرْکَعُونَ، وَ رُکُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ، وَ ‏صافُّونَ‏ ‏لا ‏يَتَزايَلُونَ‏، وَ مُسَبِّحُونَ لا يَسْأَمُونَ، لا يَغْشاهُمْ نَوْمُ ‏الْعُيُونِ‏، وَ لا سَهْوُ الْعُقُولِ، وَ لا فَتْرَةُ الاَبْدانِ، وَ لا غَفْلَةُ النِّسْيانِ، ‏وَ ‏مِنْهُمْ‏ اُمَناءُ عَلى وَحْيِهِ، وَ أَلْسِنَةٌ إِلى رُسُلِهِ، وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضائِهِ وَ أَمْرِهِ، وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبادِهِ، وَ ‏السَّدَنَةُ لِأَبْوابِ ‏جِنانِهِ‏، وَ مِنْهُمُ الثّابِتَةُ فِى ‏الاَرَضِينَ‏ ‏السُّفْلى أَقدامُهُمْ، وَ الْمارِقَةُ مِنَ السَّماءِ الْعُلْيا أَعْناقُهُمْ، وَ الْخارِجَةُ مِنَ الْأَقْطارِ أَرْکانُهُمْ، وَ الْمُناسِبَةُ لِقَوائِمِ الْعَرْشِ اَکْتافُهُمْ، ناکِسَةٌ دُونَهُ أَبْصارُهُمْ، ‏مُتَلَفِّعُونَ‏ تَحْتَهُ بَأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ وَ أَسْتارُ الْقُدْرَةِ، لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ، وَ لا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفاتِ الْمَصْنُوعِينَ، وَ لا يَحُدُّونَهُ ‏بِالْأَماکِنِ‏، وَ لا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ ‏بِالنَّظائِرِ.
مِنْها فِى صِفَةِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ثُمَّ جَمَعَ سُبْحانَهُ مِنْ ‏حَزْنِ‏ الْأَرْضِ وَ سَهْلِها، وَ عَذْبِها وَ ‏سَبَخِها، تُرْبَةً ‏سَنَّها بِالْماءِ حَتّى ‏خَلَصَتْ‏، وَ ‏لاطَها ‏بِاِلْبِلَّةِ حَتّى ‏لَزُبَتْ‏، فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذاتَ ‏أَحْناءٍ وَ وُصُولٍ، وَ أَعْضاءٍ وَ فُصُولٍ، أَجْمَدَها حَتَّى اسْتَمْسَکَتْ، وَ ‏أَصْلَدَها حَتّى ‏صَلْصَلَتْ‏، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَ أَجَلٍ مَعْلُومٍ. ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِن رُوحِهِ، ‏فَمَثُلَتْ‏ إِنْساناً ذا أَذْهانٍ يُجِيلُها، وَ فِکَرٍ يَتَصَرَّفُ بِها، وَ جَوارِحَ ‏يَخْتَدِمُها، وَ أَدَواتٍ يُقَلِّبُها، وَ مَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِها بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْباطِلِ وَ الْأَذْواقِ وَ الْمَشامِّ وَ الْأَلْوانِ وَ الْأَجْناسِ، مَعْجُوناً بِطِينَةِ الْأَلْوانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَ الْأَشْباهِ الْمُؤْتَلِفَةِ، وَ الْأَضْدادِ الْمُتَعادِيَةِ، وَ الْأَخْلاطِ الْمُتَبايِنَةِ، مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الْبِلَّةِ وَ الْجُمُودِ، ‏وَ ‏الْمَساءَةِ ‏و ‏السُّرُورِ.
وَ ‏اسْتَأْدَى‏ ‏اللَّهُ‏ ‏سُبْحانَهُ‏ ‏الْمَلائِکَةَ ‏وَدِيعَتَهُ‏ لَدَيْهِمْ، وَ عَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ: فِى الْإِذْعانِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَ ‏الْخُشُوعِ‏ لِتَکْرِمَتِهِ. فَقال سُبْحانَهُ: ‏اسْجُدُوا ‏لِآدَمَ‏ ‏فَسَجَدُوا ‏إِلّا ‏إِبْلِيسَ‏ اعْتَرَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَ غَلَبَتْ عَليِه الشِّقْوَةُ، وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ النّارِ، وَ اسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصالِ، فَأَعْطاهُ اللَّهُ النَّظِرَةَ اسْتِحْقاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَ اسْتِتْماماً لِّلْبَلِيَّةِ، وَ إِنجازاً لِلْعِدَةِ، فَقالَ: ‏إِنَّکَ‏ ‏مِنَ‏ ‏الْمُنْظَرِينَ‏ ‏إِلى ‏يَوْمِ‏ ‏الْوَقْتِ‏ ‏الْمَعْلُومِ‏.
ثُمَّ أَسْکَنَ سُبْحانَهُ ادَمَ داراً أَرْغَدَ فِيها عِيشَتَهُ، وَ ‏آمَنَ‏ فِيها مَحَلَّتَهُ، وَ حَذَّرَهُ إِبْلِيسَ وَ عَداوَتَهُ، ‏فَاغْتَرَّهُ‏ ‏عَدُوُّهُ‏ ‏نَفاسَةً عَلَيْهِ بِدارِ الْمُقامِ وَ مُرافَقَةِ الْأَبْرارِ، ‏فَباعَ‏ ‏الْيَقِينَ‏ ‏بِشَکِّهِ‏، ‏وَ ‏الْعَزِيَمَةَ ‏بِوَهْنِهِ‏، وَ اسْتَبْدَلَ ‏بِالجَذَلِ‏ ‏وَجَلًا، وَ بِالِاغْتِرارِ نَدَماً، ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ فِى تَوْبَتِهِ، وَ لَقّاهُ کَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَ وَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلى جَنَّتِهِ، فَاَهْبَطَهُ إِلى دارِ البَلِيَّةِ، وَ تَناسُلِ الذُّرِّيَّةِ.
وَ اصْطَفى سُبْحانَهُ مِن وَلَدِهِ أَنبِياءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْىِ ‏مِيثاقَهُمْ‏، وَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أَمانَتَهُمْ لَمّا بَدَّلَ اَکْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَ اتَّخَذُوا ‏الْأَنْدادَ مَعَهُ، وَ ‏‏اجْتَبَالَتْهُمُ‏‏ الشَّياطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَ ‏واتَرَ ‏إِلَيْهِمْ‏ ‏أَنْبِياءَهُ‏، ‏لِيَسْتَأْدُوهُمْ‏ مِيثاقَ فِطْرَتِهِ، وَ ‏يُذَکِّرُوهُمْ‏ مَنْسِىَّ نِعْمَتِهِ، وَ يَحْتَجُّواْ عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفائِنَ الْعُقُولِ وَ يُرُوهُمْ ‏آياتِ‏ الْمُقْدِرَةِ. مِن سَقْفٍ فَوْقَهُم مَرْفُوعٍ، وَ مِهادٍ تَحْتَهُم مَوْضُوعٍ، وَ مَعايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَ آجالٍ تُفْنِيهِمْ، وَ ‏أَوْصابٍ‏ تُهْرِمُهُمْ، وَ أَحْداثٍ تَتابَعُ عَلَيْهِمْ، وَ لَمْ يُخْلِ ‏اللَّهُ‏ سُبْحانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِىٍّ مُرْسَلٍ، أَوْ کِتابٍ مُنْزَلٍ، اَوْ حُجَّةٍ لازِمَةٍ، اَوْ ‏مَحَجَّةٍ قائِمَةٍ، رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ، وَ لا کَثْرَةُ الْمُکَذِّبِينَ لَهُمْ: مِنْ سابِقٍ سُمِّىَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ.
‏عَلى ‏ذلِکَ‏ ‏‏نَسَلَتِ‏‏ ‏الْقُرُونُ‏، وَ مَضَتِ الدُّهُورُ، وَ سَلَفَتِ الْاباءُ، وَ خَلَفَتِ الْأَبْناءُ. إِلى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُحَمَّدَاً رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ الِهِ لِإِنْجازِ ‏عِدَتِهِ‏، وَ ‏تَمامِ‏ نُبُوَّتِهِ، مَأخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثاقُهُ، مَشْهُورَةً ‏سِماتُهُ‏، کَرِيماً مِيلادُهُ، وَ أَهْلُ الاَرْضِ يَوْمَئذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَ أَهْوآءٌ مُنتَشِرَةٌ، وَ طَرائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ، أوْ ‏مُلْحِدٍ ‏فِى‏ ‏اسْمِهِ‏، أَوْ مُشِيرٍ إِلى غَيْرِهِ ‏فَهَداهُمْ‏ ‏بِهِ‏ ‏مِنَ‏ ‏الضَّلالَةِ، ‏وَ ‏أَنْقَذَهُمْ‏ ‏بِمَکانِهِ‏ ‏مِن‏ ‏الْجَهالَةِ
ثُمَّ اخْتارَ سُبْحانَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ الِهِ لِقاءَهُ، وَ رَضِىَ لَهُ ما عِنْدَهُ، وَ أَکْرَمَهُ عَنْ دارِ الدُّنْيا، وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ ‏مُقارَنَةِ الْبَلْوى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ کَرِيماً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ الهِ وَ خَلَّفَ فِيکُمْ ما خَلَّفَتِ الاَنْبِياءُ فِى أُمَمِها، إِذْ لَمْ يَتْرُکُوهُمْ هَمَلًا بِغَيْرِ طَرِيقٍ واضِحٍ، وَ لا ‏عَلَمٍ‏ قائِمٍ. کِتابَ رَبِّکُمْ ‏مُبَيِّناً حَلالَهُ وَ حَرامَهُ، وَ فَرائِضَهُ وَ فَضائِلَهُ، وَ ‏ناسِخَهُ‏ ‏وَ ‏مَنْسُوخَهُ‏، وَ ‏رُخَصَهُ‏ وَ عَزائِمَهُ، وَ خاصَّهُ وَ عامَّهُ، وَ عِبَرَهُ وَ أَمْثالَهُ، وَ ‏مُرْسَلَهُ‏ وَ ‏مَحْدُودَهُ‏، وَ ‏مُحْکَمَهُ‏ وَ مُتَشابِهَهُ. مُفَسِّراً ‏جُمَلَهُ‏، وَ مُبَيِّناً غَوامِضَهُ، بَيْنَ مَأْخُوذٍ ‏مِيثاقُ‏ عِلْمِهِ، وَ ‏مُوَسَّعٍ‏ ‏عَلَى‏ ‏الْعِبادِ ‏فِى‏ ‏جَهْلِهِ‏، وَ بَيْنَ مُثْبَتٍ فِى الْکِتابِ فَرْضُهُ، وَ مَعْلُومٍ فِى السُّنَّةِ نَسْخُهُ، وَ واجِبٍ فِى السُّنَّةِ أَخْذُهُ، وَ مُرَخَّصٍ فِى الْکِتابِ تَرْکُهُ، وَ بَيْنَ واجِبٍ ‏لِوَقْتِهِ‏، وَ زائِلٍ فِى مُسْتَقْبَلِهِ، وَ مُبايِنٌ بَيْنَ مَحارِمِهِ مِنْ کَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرانَهُ، أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرانَهُ، وَ بَيْنَ مَقْبُولٍ فِى أَدْناهُ، وَ مُوَسَّعٍ فِى اَقْصاهُ.
مِنْها فِى ذِکْرِ الْحَجِّ: وَ فَرَضَ ‏عَلَيْکُمْ‏ حَجَّ ‏بَيْتِهِ‏، الَّذِى جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلاَنامِ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الاَنْعامِ، وَ ‏يَألَهُونَ‏ ‏إِلَيْهِ‏ وُلُوهَ الْحَمامِ، جَعَلَهُ سُبْحانَهُ عَلامَةً لِتَواضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَ إِذْعانِهِمْ لِعِزَّتِهِ، وَ اخْتارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمّاعاً أَجابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَ صَدَّقُواْ کَلِمَتَهُ، وَ وَقَفُوا مَواقِفَ أَنْبِيائهِ، وَ تَشَبَّهُوا بِمَلائِکَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ الاَرْباحَ فِى مَتْجَرِ عِبادَتِهِ، وَ يَتَبادَرُونَ ‏عِنْدَهُ‏ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ، جَعَلَهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى لِلْإِسْلامِ عَلَماً، وَ لِلْعائِذِينَ حَرَماً، ‏فَرَضَ‏ ‏حَجَّهُ‏، وَ اَوْجَبَ حَقَّهُ، وَ کَتَبَ عَلَيْکُمْ ‏وِفادَتَهُ‏، فَقالَ سُبْحانَهُ: ‏وَ ‏لِلَّهِ‏ ‏عَلَى‏ ‏النَّاسِ‏ ‏حِجّ‏ ‏الْبَيْتِ‏ ‏مَنِ‏ ‏اسْتَطاعَ‏ ‏إِلَيْهِ‏ ‏سَبِيلًا ‏وَ ‏مَنْ‏ ‏کَفَرَ ‏فَإِنّ‏ ‏اللَّهَ‏ ‏غَنِىّ‏ ‏عَنِ‏ ‏الْعالَمِينَ‏.